حدد أهدافك البعيدة…لن تصل لأي مكان بدونها!

تخيّل معي عزيزي القارئ أن يبلغك أحد المقربين إليك برغبته السفر إلى دولة أوروبية للراحة والإستجمام والاستمتاع بالأجواء والطبيعة.

ثم تتفاجأ بإرساله الصورة التالية لمكان مختلف سافر إليه.

تغيير جذري غير واضح الأسباب! البيئتان مختلفتان تمامًا، وفي حين أن الوجهة الأولى قد يسافر إليها الشخص بهدف الراحة والنقاهة والاستمتاع بالطبيعة، فالوجهة الثانية قد تكون مناسبة لمن يبحثون عن المغامرة أو لديهم الرغبة في بذل الجهد والعمل الخيري ونحوها. الأهداف التي قد يقرر الشخص أن يسافر من أجلها لكل وجهة مختلفة اختلاف جذري عن الأخرى!
مثل هذا التغيير الجذري غير المبرر هو فعليًا ما يحدث في حياتنا بشكل مستمر إذا لم نحدّد أهدافنا ومسارنا.

دعني أسألك،
ماذا تريد أن تكون مستقبلاً؟ أين تريد أن تصل؟ ماهي أهدافك البعيدة؟ وماذا تحتاج من معرفة، خبرة، مهارات وأدوات لتصل لتلك الأهداف أو الطموحات البعيدة؟
ستختلف إجابتك على هذه الأسئلة باختلاف التجارب التي مررت بها، نُضجِك، وحسب مرحلتك الدراسية أو المهنية.

إذا لم تكن قد فكّرت في مثل هذّ الأسئلة العميقة المهمة، قد يكون من الجيّد لو بدأت الآن (أثناء قراءة المقالة أو بعد الإنتهاء منها)، ذلك أن مثل هذه الأسئلة تساعدك في التفكير بعيد المدى أو مايسمى بالتفكير الاستراتيجي، وهو من أساسيات النجاح.

البوصلة الداخلية

نحن هنا لا نتحدث عن ضرورة وجود أهداف ذكية قابلة للقياس فهذا شئ أقرب للمستحيل على المدى البعيد، إنما المغزى هو تحديد وجهتنا (Direction) أو الهدف البعيد الذي نرغب في السيرِ تجاهه. لا بأس إذا كان هذا الهدف غامضًا بعض الشئ، فمن المستحيل أن تعرف نهاية الطريق الطويل من أول خطوة. لكن، على الأقل، من المفترض أن تُدرِِك الإتجاه الذي ستسلكه.
طرحي لهذه الأسئلة ليس الهدف منه ضرورة أن تكون إجاباتك جاهزة ومقننة، أبدًا! فالأهم هو أن تعي أهمية سؤالي هذا وأهمية التخطيط المبكّر للمستقبل. ثق تمامًا بأن جميع الناجحين قد خططوا لمستقبلهم في مرحلة أو أخرى. قد لا يكون هذا التخطيط واضحًا بكافة تفاصيله ومكتوبًا. لكن، على الأقل، أمثال هؤلاء من الناجحين لديهم بوصلة داخلية توجههم نحو أهدافهم البعيدة التي يسعون لتحقيقها.
تحديدك للأهداف البعيدة هو بمثابة إعدادك وتفعيلك لبوصلتك الداخلية التي ستساعدك في تحديد الإتجاه الذي ستسلكه.


حتى تبدع وتنجح

لكي تُبدع وتتميز عن الآخرين، احرص على تنمية معرفتك، مهاراتك، وخبرتك في مجال أو مجالات ما حتى تصل لمرحلة تجد نفسك فيها قد أصبحت من القلائل (نسبيًا) المتميزين في تلك المجالات. تميّزك في مجال أو مجالات ما سيستغرق الكثير من الوقت والجهد. ونظرًا لأن وقتنا محدود وطاقتنا محدودة، من غير العملي، بل ومن المستحيل، أن نحاول أن نصل لمرحلة التميز في كل المجالات أو في عدد كبير من المجالات في نفس الوقت.
لا بأس من أن يكون الإنسان مثقفًا ومطّلعًا على أكثر من مجال. لكن، دعني أسألك، كم عدد المثقفين الذين تعرفهم ولديهم الحصيلة المعرفية والخبرة المتعمقة في مجال أو مجالات ما؟ لاحظ بأني ذكرت “الحصيلة المعرفية والخبرة”، ولم أقل مجرد إطلاع أو ثقافة سطحية، ذلك أن مجتمعاتنا اليوم تعاني من الغالبية العظمى التي ترى أنها مثقفة لمجرد أنها قرأت بعض المقالات أو بحثت في قووقل، فتراها تطرح الآراء وتدافع عنها باستماتة، معتقدة بأن هذه هي الثقافة، وأنه من الضروري أن يكون لهم رأي في كل شئ!

إذا أردت أن تتميز وتنجح في حياتك، لا بد أن تفعل ما لا يفعله الأغلبية، وتُركِّز على اكتساب المعرفة والخبرات وتنمية المهارات بشكلٍ مركّز في مجال أو مجالات معدودة، وهي خطوة يهملها أغلبية الناس. لماذا؟ لأنها تتطلب الكثير من الجهد والوقت والتركيز، وأغلبية الناس، للأسف، يبحثون عن النجاح البسيط والسريع، لا النجاح والتميّز الحقيقي المستمر والذي غالبًا ما يكون على المدى البعيد.

لا تكن “بتاع كله” ومن جماعة “سبع صنايع والبخت ضايع” أو ممن يعرفون عن كل شئ ولا يجيدون أي شئ “Jack of all trades, master of none”، كن متعمقًا متخصصًا في مجال أو مجالات معينة (مثل الليزر Laser Focused)، فهذا هو التميز الحقيقي والذي يقود للإبداع!


تحديد المسار ضروري للنجاح

نجاحك وتميّزك في هذه الحياة سيعتمد لحدٍ كبير على فهمك لنفسك وتخطيطك السليم إلتزامك قدر المستطاع بالخطة أو المسار الذي حددته لنفسك. في عالم الأعمال أيضًا، التركيز مهم للنجاح في ظل وجود العديد من الأسواق والمجالات المختلفة (من التعليم إلى الصحة ومابينها).

رواد الأعمال الناجحين حول العالم حرصِوا على تنمية مهاراتهم، خبراتهم، وحصيلتهم المعرفية في مجالات محددة لديهم اهتمام وشغف بها. هذه العملية، عملية جمع المعارف والخبرات وتطوير المهارات، عملية تستغرق الكثير من الوقت والجهد والمال.

إذا كنت مهتمًا شغوفًا بمجالٍ ما وكانت لديك الرغبة لبدء مشروع ريادي، اسأل نفسك: ماهي المعارف، الخبرات، والمهارات التي أحتاج لتطويرها لزيادة فرص نجاحي؟

دعنا نُعيد صياغة قصة الشخص المسافر في بداية المقالة بطريقة أخرى:
لنفترض جدلاً أن شخصًا قرر فتح مطعم يقدم الوجبات في مجال ما وبدأ في التخطيط والعمل وطوّر مهارته في الطبخ على مدى سنتين. وفجأة، ولملاحظته بأن هناك اهتمام بالمشاريع الريادية التقنية، قرر فتح مشروع ريادي في مجال الذكاء الاصطناعي.

المجالان مختلفان تمامًا (الغذاء ≠ التقنية) والمهارات والخبرات والمعارف التي قد يحتاج إليها صاحب العمل لزيادة فرص نجاحه تختلف بشكل كبير حتى في ظل وجود بعض الجوانب المشتركة.

من المظاهر المشاهدة بكثيرة توجّه أفراد لديهم اهتمامات وخبرات في مجالات ما لبدء مشاريع في مجالات مختلفة تمامًا رغم افتقارهم للأسس والمهارات التي تساعدهم في زيادة فرص نجاحهم. والنتيجة، غالبًا، فشل مشاريعهم أو الهدر الكبير في الموارد كون الفرد لم يكن مهيئًا لدخول المجال/السوق. تغيير المجال لا بأس به لكنه من المفترض أن يكون مدروسًا وألا يكون هناك استعجال في دخول سوق مجهول.

مثل هذه المظاهر ملاحظة بكثرة مع كل موجة من الموجات التي تنتشر في بلدنا. فقبل سنوات، ومع ازدياد الاهتمام بالجودة مثلاً، لاحظنا أن العديد من الأفراد الذين يفتقرون لأسس الجودة قاموا بتأسيس أعمال تجارية لتقديم الاستشارات والتدريب في مجال الجودة! قد يقول البعض بأن هذا فيه استغلال للفرص. في المقابل، شخصيًا، أرى أن هذا فيه إشارة كبيرة لإفتقار هؤلاء للتركيز ولما يمكنهم أن يتميزوا به، ولو نجحوا، فنجاحهم مؤقت ومحدود.

عزيزي القارئ، لا أريد لك أن تكون من أمثال هؤلاء الذين يتحركون بعد تحرك السوق ويتصرفون كنتيجة لما يحدث من حولهم. أُريدك أن تكون من المبتكرين الذين يصنعون فرصهم بأنفسهم ويفتحون أسواقًا جديدة بإذن الله، وهذا هو النجاح الحقيقي في ريادة الأعمال.

تحديدك لأهدافك البعيدة ومعرفة المسار الذي ستسلكه سيساعدك في بناء خبراتك ومعارفك بشكل يخدم أهدافك البعيدة بإذن الله. في المقابل، عدم معرفتك لوجهتِك النهائية قد يعني تنقلك بين أكثر من مجال واهتمام دون تركيز حقيقي يساعدك في النهوض والتميّز.


فكّر مطولاً في الفرص الجانبية

بغض النظر عند تحديدك لوجهتك ومسارك من عدمه، دعنا نتحدث عن أمر آخر مهم فد يؤثر على رحلتك نحو تحقيق أهدافك، وهو الفرص الجانبية.

الفرص الجانبية هي فرص للعمل والكسب تأتيك من الآخرين أو البيئة المحيطة لك غالبًا ماتكون الفائدة منها قصيرة المدى. هذه الفرص، في كثير من الأحيان، تختلف عمّا نطمح لتحقيقه والعمل عليه، فهي في الغالب لا تخدم أهدافنا البعيدة.

في بداية حياتك العملية، من الطبيعي جدًا أن تكون الفرص التي تأتيك قليلة كونك مازلت لم تطور مهاراتك ولم تكتسب خبرات ومعارف وتبني علاقاتك. بمعنى آخر، لم يعرفك الناس بعد!

في مرحلة لاحقة، ومع تميزك في مجال أو أكثر، ستزداد الفرص الجانبية التي تأتيك، صغيرة كانت أم كبيرة. بعض هذه الفرص قد تكتشفها بنفسك والكثير منها ستأتي من البيئة المحيطة بك ومن هم حولك. كلما زادت الفرص، كلما زادت الحاجة إلى الانضباط الذاتي (Self-Discipline)، وهو تحكّم الإنسان بقراراته ومشاعره والتفكير فيها بعقلانية، لا الجري وراء الفرص هنا وهناك دون تخطيط وبُعد نظر.

كلما زادت الفرص، كلما زادت الحاجة إلى الانضباط الذاتي

بعض الفرص الثانوية قد تكون مجزية ماديًا على المدى القصير، ولا بأس من الاستفادة منها إذا كنت في حاجة للمال (كما في حالة الرغبة في جمع رأس مال لمشروع جديد). لكن، على المدى الطويل، إنشغالك الكامل بالفرص الجانبية قصيرة المدى قد يكون له نتائج وخيمة على المدى البعيد، خصوصًا لو كانت تلك الفرص الثانوية بعيدة عن مجالات اهتمامك وتميزك أو كانت لا تساهم بشكل أو بآخر في تطوير مهاراتك وخبراتك وحصيلتك المعرفية. بمعنى آخر، إذا كانت هذه الفرص تستنزف وقتك وجهزك وتأخذك بعيدًا عن مجالات اهتمامك وشغفك أو لنقل المجالات التي يمكنك أن تتميز فيها بحق.

إن كان ولابدّ من الاستفادة من الفرص الجانبية، احرص على تطوير مهاراتك وخبراتك ومعارفك في مجالات اهتمامك، سواءً كان ذلك خارج وقت العمل أو في أوقات تحددها أسبوعيًا (مثل نهاية الأسبوع) حتى لا تبتعد تمامًا عن تلك المجالات الأساسية. والأفضل، إذا كان بالإمكان، الاستفادة من الفرص الجانبية التي قد تساهم في تطوير بعض جوانبك ومهاراتك التي ستستفيد منها في مرحلة لاحقة في حياتك.

وكمثال لتقريب الصورة، تصلني شخصيًا العديد من طلبات التدريب من جهات حكومية وخاصة. لكن، أنا لا أنظر لنفسي كمدرّب ولا أجد أن التدريب التقليدي فيه استغلال أمثل لوقتي وجهدي. وحتى لو كان مدفوعًا، فعلى الأغلب، التسعيرة المعتمدة في هذا النوع من الأنشطة هو مبلغ معين مقابل الساعة التدريبية. وفي غالب الأمر، لأن وقتي هو أهم ما أملك، لن يكون السعر المجزي مناسبًا لي مهما ارتفع لأنه سيظل في حدود المتعارف عليه في السوق. وفي سوق التدريب، يصبح المبلغ الذي قد تجنيه محرزًا إذا قمت بتقديم عدد كبير من الساعات وليس ساعات محدودة. بالتالي، فأنت ستضطر لبيع عدد كبير من ساعات يومك والإلتزام، وكل ذلك على حساب إنتاجيتك وتفرغك للمشاريع الأخرى. الخلاصة، في حين أن غيري مهتمين بالتدريب ويقدمون الدورات هنا وهناك، شخصيًا، هذا المجال لا يستهويني بتاتًا بل انظر إليه كاستغلال غير جيّد للوقت.

كن ذكيًا ولا تنغرّ وراء الفرص الجانبية وتركّز جهدك في القيام بعمل يستفيد منه الآخرين، على حساب قيامك بأشياء قد تستفيد منها أنت وتتميز فيها مستقبلا!


همسة: قد يبدو كلامي نظريًا وغير عملي، لكن، صدقني، إذا تجنبت التفكير في هذا الموضوع ولم تنتبه له، قد تجد في وقت لاحق أنك ضيعت الكثير من سنين عمرك دون هدف أو وجهة واضحة وكأنك تائه في محيط تملؤه الأمواج.

ابدأ بشكل صحيح لاستثمار وقتك وجهدك في المكان المناسب. حدّد أهدافك البعيدة ومسار سيرك ثم انطلق، فالطريق أمامك مفتوح!

انضم اليوم لأكثر من ٦٠٠٠ متدرب واحصل على كورس أسس ريادة الأعمال + كتاب استكشاف الأفكار + جديد المقالات

الكاتب

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *